محمد بن جرير الطبري

317

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ودخل الأحنف في آخرهم ، وكان سيئ المنزلة من عبيد الله ، فلما نظر اليه معاوية رحب به ، واجلسه معه على سريره ، ثم تكلم القوم فأحسنوا الثناء على عبيد الله ، والأحنف ساكت ، فقال : ما لك يا أبا بحر لا تتكلم ! قال : ان تكلمت خالفت القوم فقال : انهضوا فقد عزلته عنكم ، واطلبوا واليا ترضونه ، فلم يبق في القوم أحد الا اتى رجلا من بنى أمية أو من اشراف أهل الشام ، كلهم يطلب ، وقعد الأحنف في منزله ، فلم يأت أحدا ، فلبثوا أياما ، ثم بعث إليهم معاوية فجمعهم ، فلما دخلوا عليه قال : من اخترتم ؟ فاختلفت كلمتهم ، وسمى كل فريق منهم رجلا والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : ما لك يا أبا بحر لا تتكلم ! قال : ان وليت علينا أحدا من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا ، وان وليت من غيرهم فانظر في ذلك ، قال معاوية : فانى قد أعدته عليكم ، ثم أوصاه بالأحنف ، وقبح رايه في مباعدته ، فلما هاجت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف . ذكر هجاء يزيد بن مفرغ الحميري بنى زياد وفي هذه السنة كان ما كان من امر يزيد بن مفرغ الحميري وعباد بن زياد وهجاء يزيد بنى زياد . ذكر سبب ذلك : حدثت عن أبي عبيده معمر بن المثنى ان يزيد بن ربيعه بن مفرغ الحميري كان مع عباد بن زياد بسجستان ، فاشتغل عنه بحرب الترك ، فاستبطأه ، فأصاب الجند مع عباد ضيق في اعلاف دوابهم ، فقال ابن مفرغ : الا ليت اللحى عادت حشيشا * فنعلفها خيول المسلمينا ! وكان عباد بن زياد عظيم اللحية ، فانهى شعره إلى عباد ، وقيل : ما أراد غيرك ، فطلبه عباد ، فهرب منه ، وهجاه بقصائد كثيره ، فكان مما هجاه به قوله :